السيد علي الحسيني الميلاني

179

نفحات الأزهار

مخلوق ، وينهى عن الخوض في مسألة اللفظ . ولا ريب أن تلفظنا بالقرآن من كسبنا ، والقرآن الملفوظ المتلو كلام الله تعالى غير مخلوق ، والتلاوة واللفظ والكتابة والصوت من أفعالنا ، وهي مخلوقة ، والله سبحانه وتعالى أعلم " ( 1 ) . هذا ، وقد قال الذهبي بترجمة محمد بن يحيى الذهلي : " كان الذهلي شديد التمسك بالسنة ، قام على محمد بن إسماعيل لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق ، فلوح وما صرح والحق أوضح ، ولكن أبى البحث في ذلك أحمد بن حنبل وأبو زرعة والذهلي ، والتوسع في عبارات المتكلمين سد للذريعة ، فأحسنوا أحسن الله تعالى جزاهم . وسافر ابن إسماعيل مختفيا من نيسابور ، وتألم من فعل محمد بن يحيى . وما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده ، وقد سبقت ذلك في ترجمة ابن إسماعيل ، رحم الله تعالى الجميع وغفر لهم ولنا آمين " ( 2 ) . أقول : وإذا كانت شدة تمسك الذهلي بالسنة هي السبب في قيامه علي البخاري ، فإن قول الذهبي : " وما زال . . . " غريب جدا ، أفهل يقال : إن قيامه على البخاري كان حسدا منه له ؟ أو عنادا ؟ أم ماذا ؟ وعلى كل حال نقول : إذا لم يكن تكلم الذهلي وغيره من كبار الأئمة وقيامهم على البخاري وتركهم له قادحا في وثاقته ، فإن إعراض البخاري ومسلم عن حديث الغدير وتركهم روايته غير قادح في صحته وثبوته بالأولوية . وأيضا : لا يكون قدح أبي داود وأبي حاتم قابلا للاعتماد بعد سقوط كلام شيخهما الذهلي عن درجة الاعتبار ، كما لا يبقى بعد ذلك أي وزن واعتبار لقدح الجاحظ . . . فسقط تمسك الفخر الرازي بذلك كله . . . والحمد لله .

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 11 / 420 . ( 2 ) المصدر نفسه 12 / 273 .